محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
269
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وقيل لبعضهم : لم لا تغتمّ ؟ فقال : لأني لا أقتني ما يغمني فقده ؛ فالمفروح به هو المحزون عليه إن قليلا فقليل ، وإن كثيرا فكثير ، كما قيل : على قدر ما أولعت بالشيءه حزنه * ويصعب نزع السهم مهما تمكّنا يحكى أنّ رجلا حمل إلى بعض الملوك قدحا من « فيروزج » « 1 » مرصّعا بالجواهر ، لم ير له نظير ، ففرح الملك به فرحا شديدا . فقال لبعض الحكماء عنده : كيف ترى هذا ؟ قال : أراه مصيبة وفقرا ! ! قال : وكيف ذلك ؟ قال : إن انكسر كان مصيبة لا جبر لها ، وإن سرق صرت فقيرا إليه ولم تجد مثله ، وكنت قبل أن يحمل إليك في أمن من المصيبة والفقر . فاتّفق أن انكسر القدح يوما ، فعظمت مصيبة الملك فيه ، وقال : صدق الحكيم ، ليته لم يحمل إلينا ! ! وأمثال هذه المصيبة وأعظم منها نازلة بكل من له علاقة بشيء من أسباب الدنيا ، فإنها إن لم تؤخذ مه بغصب أو سرقة أو جائحة « 2 » نازلة فلا بدّ له أن يؤخذ هو عنها بالموت الهازم لللّذات ، المنغّص للشهوات ، فإن كان له ألف محبوب مثلا نزل به عند الموت ألف مصيبة في وقت واحد ؛ لأنه كان يحبها كلّها وقد سلبت منه في كرة واحدة ، ولذلك كان الزهد في الدنيا من قضايا العقل . قال سهل بن عبد اللّه ، رضي اللّه تعالى عنه : « للعقل ألف اسم ، ولكل اسم منها ألف اسم ، وأوّل كل اسم منها ( ترك الدنيا ) » . قال الحسن ، رضي اللّه تعالى عنه : « كيف يسمى عاقلا من يمسى ويصبح في الدنيا ، ومباهاة أهلها في المطاعم والمشارب والملابس والمراكب أولئك هم الخاسرون » و « أولئك هم الغافلون » و « أولئك هم الجاهلون » . وأنشدوا : أيها المرء إنّ دنياك بحر * طافح موجه فلا تأمننها وسبيل النجاة فيها بيّن * وهو أخذ الكفاف والقوت منها وقال أبو عليّ الثقفي ، رضي اللّه عنه : « أفّ من أشغال الدنيا إذا أقبلت ، وأفّ من حسراتها إذا أدبرت ، والعاقل من لا يركن إلى شيء إذا أقبل كان شغلا ، وإذا أدبر كان حسرة وقد قيل معناه : ومن يحمد الدنيا لشيء يسرّه * فسوف لعمري عن قليل يلومها
--> ( 1 ) الفيروزج : حجر كريم غير شفاف ، أزرق اللون بلون السماء أو أميل إلى الخضرة يتحلى به ( مع ) . ( 2 ) الجائحة : الفحط أو المصيبة والآفة تجتاح المال ( ج ) جوائح .